غير مصنف

تركستان الشرقية البلاد الثمينة

في مستويات اجتماعية وثقافية متفاوتة تباينت ردود الفعل في العالم الإسلامي على الأحداث الدموية التي شهدتها تركستان الشرقية أو ما يسميه الصينيون بإقليم «سينكيانغ»

تركستان الشرقية

البلاد الثمينة

في مستويات اجتماعية وثقافية متفاوتة تباينت ردود الفعل في العالم الإسلامي على الأحداث الدموية التي شهدتها تركستان الشرقية أو ما يسميه الصينيون بإقليم «سينكيانغ» أوائل الشهر الجاري وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات واعتقال نحو 1500 شخص اتهمتهم الحكومة المركزية بالمحرضين على إثارة الشغب. فالذين يعرفون الخلفيات التاريخية للأحداث أعربوا عن مساندتهم لسكان الإقليم من قومية الإيغور المسلمة. أما الذين يجهلون أصل المشكلة لدرجة أن بعضهم يرى في الصين دولة « صديقة» وحتى « شقيقة» فلم يتوانوا عن التحذير من مؤامرة أمريكية تستهدف إضعاف الصين وتفكيكها. لا شك أن وجهة النظر التاريخية إنْ كانت تستغرق أغلب الحقيقة فإن مجرد التفكير في شرذمة أكثر من 1300 مليون نسمة هي فرضية جنونية لا يتمناها أحد في العالم لما تنطوي عليه من فوضى ومخاطر بالغة التعقيد لجهة السيطرة على هذا العدد المهول من البشر. لكن المؤكد أن حقائق الصراع الراهنة أعمق بكثير وأخطر من أن تغطيها ردود الفعل والتصريحات الواهنة هنا وهناك. فما هي الحقيقة فيما يجري؟ ولماذا لا يجد الجانبان من خيار إلا الصدام الدموي؟

البلاد الثمينة

 (1)

ثمة مقالة لكاتب إيغوري يطلق فيها على بلاده صفة «فلسطين المنسية». وليس ثمة أدنى شك في صحة التوصيف شكلا ومضمونا كما سنرى لاحقا. فالبلاد إحدى عجائب الأرض في تنوع تضاريسها الجغرافية، وفي موقعها الاستراتيجي الذي يجاور ثماني دول ويربط الصين بأوروبا، وفي مساحتها التي تزيد عن 1.8 مليون كم مربع، وفي ثقافتها ولغتها القديمة التي تمتد إلى عمق بلاد الترك الإسلامية، وفي وفرة خيراتها من المحاصيل الزراعية بشتى أنواعها، وفي ثرواتها من النفط والغاز والفحم مرورا بالمعادن النفيسة. إنها باختصار بلاد ذات ثروات وامتيازات جبارة تؤهلها لتكون دولة إقليمية عظمى لو استطاعت الإفلات من القبضة الصينية.

 لكن هذه المكانة الذهبية لتركستان الشرقية جلبت عليها الويلات تاريخيا، وعليه فلم تكن الجرائم الصينية بحق سكانها لتقل وحشية عن جرائم الروس ومن بعدهم السوفيات بحق شقيقتها تركستان الغربية ذات الأكثر من أربعة ملايين كم مربعة، والتي تتوزع اليوم على خمس دول هي كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقرغيزيا وطاجكستان. لذا فقد ارتبط تاريخها بالثورات على الاضطهاد والظلم والنهب الذي تتعرض له البلاد والسكان على حد سواء. فما بين معاهدة « برشينك » في آب سنة 1689 ومعاهدة « سانت بتروسبورغ » السوفياتية في شباط سنة1981 تعرضت البلاد لمذابح دموية مروعة أبرزها ثورة سنة 1759 ضد حملات الاضطهاد والقمع للمسلمين التي بدأتها أسرة مانشو سنة 1648، وانتهت باحتلال الصين للبلاد ومقتل 1.2 مليون مسلم فيها، ونفي نحو 22 ألف إلى تركيا. وإجمالا شهدت البلاد نحو 42 ثورة وطنية عارمة ضد الحكم الصيني. وابتداء من أوائل القرن التاسع عشر وتقاسم الصين وروسيا الأراضي العثمانية، شن مسلمو تركستان ما بين خمس إلى سبع ثورات كبرى وقعت في سنوات 1820، 1830، 1847 و1857، وتواصلت بعدها صدامات خلفت وراءها ملايين القتلى في صفوف المسلمين. لكنهم نجحوا بتحرير البلاد مرتين، وأقاموا دولة مستقلة لهم الأولى ابتداء من سنة 1863 بقيادة يعقوب بك واستمرت 16 عاما متواصلة، والثانية سنة 1933 و1944 إلى أن احتل الشيوعيون البلاد حتى هذه اللحظة. كل هذه الحروب والمذابح من الأهمية بمكان القول أنها وقعت قبل انتصاب الحكم الشيوعي في الصين سنة 1949 بقيادة ماوتسي تونغ. وخلاله بدأت تركستان تدفع ثمنا باهظا على كل مستوى ابتداء بالثقافة والهوية والعقيدة ومرورا بالديمغرافيا وانتهاء بوسائل المعيش.

 يقول الصينيون اليوم أن إقليم سينكيانغ بلاد لا تقدر بمال. ومنذ انتصار الثورة الصينية وحتى أواخر الثمانينات من القرن العشرين حكم الصينيون تركستان الشرقية بقبضة حديدية. وأتلفوا الكثير من تراثها الثقافي إبان الثورة الثقافية مطلع السبعينات، ومنعوا التدين وممارسة الشعائر الدينية، لكن بتعبيرات أيديولوجية فرضتها الماركسية وطالت جميع القوميات وتميزت بقسوتها الشديدة. وبقيت البلاد، في ظل الحرب الباردة، ثروة عسكرية ثمينة أكثر منها اقتصادية، حيث حولها الصينيون إلى مرتع لصناعاتهم العسكرية والصاروخية وتجاربهم النووية، تماما مثلما فعل السوفيات بكازاخستان.

 لكن بعد موت الزعيم الصيني ماو تسي تونغ اتجهت الصين نحو الانفتاح على العالم. و مع نهاية الحرب الباردة وانطلاقة العولمة ونذر الانفجارات العلمية الكبرى اعتمدت الصين نموذج الاقتصاد العالمي المركب الذي يمزج بين نظريتي الرأسمالية والاشتراكية. هنا اكتشفت الصين القيمة الاقتصادية العظمى لسينكيانغ. وفي وقت لاحق أفصح وانغ له تشيوان، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، خلال المؤتمر الأكاديمي السنوي لجمعية العلوم والتكنولوجيا الصينية (2005) عما أخفته الصين من نوايا للإقليم الذي سيصبح: « بالتأكيد قاعدة طاقة لتحقيق الانطلاقة الاقتصادية للصين في القرن الـ21 بما يتمتع به من ثروات بترولية وموقع جغرافي فريد». هذا التصريح هو أرفع خلاصة لما توصلت إليه الصين بشأن ما يتيحه لها الإقليم من مكاسب وامتيازات وخطط مصيرية لا يمكن لها أن تفرط بها أيا كانت الأسباب ومهما استدعى من إجراءات وأيا كانت النتائج.

 من الواضح إذن أن الرهان الصيني على الإقليم هو رهان استراتيجي لا يتحمل أية هزات اجتماعية مهما كان مصدرها وأيا كانت درجة قوتها. فالثروات العذراء المدفونة في الإقليم وتركيز البنى الصناعية التحتية الثقيلة جدا لا ينفع في استخراجها أو الانتفاع بها أو حمايتها استمرار التوترات الاجتماعية. ويبدو أن الصين رأت أن ما اتخذته من إجراءات لن يكون كافيا، مما يعني وجوب التفتيش الدائم عن كل وسيلة من شأنها قمع السكان، وتصعيد إجراءاتها أو التخفيف منها كلما لزم الأمر، وهو ما دفع منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام والمراقبين إلى التحذير من كون البلاد تعيش وكأنها تحت حكم الطوارئ.

 ما أن وقعت هجمات 11 سبتمبر 2001 حتى ركبت الصين الموجة الأمريكية فيما أسمي بـ « مكافحة الإرهاب العالمي»، وسارع المتحدث باسم وزارة الخارجية سون يوشي(18/10/2001) إلى القول بأن: «الأنشطة الإرهابية التي يرتكبها ناشطون من تركستان الشرقية في إقليم سينكيانغ الصيني تمثل مخاطر ليس على أمن واستقرار الصين وحدها وإنما على المنطقة كلها» معلنا أن الصين: « سوف تنضم إلى المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب بما في ذلك في تركستان الشرقية». وهكذا إعلان يؤشر على أن الصين لن يعود لها من سياسة في الإقليم والمنطقة سوى السياسة الأمنية، بل أن الحدث بدا لها وكأنه هبة من السماء، حيث سهّل لها إجراء محادثات أمنية مشتركة مع الروس (28/11/2001) بشأن تركستان الشرقية والغربية. ومكّن البرلمان الصيني في 24/12/2001 من تصعيد مدة عقوبة جريمة الإرهاب من السجن لعشر سنوات إلى الإعدام. وفي 7/1/2002 تعهدت الصين بمعية منظمة شنغهاي « بمحاربة الإرهاب داخليا وخارجيا بأشكاله كافة وعلى جميع الصعد»، وفي 21/1/ 2002 ربطت بين مقاتلي الإقليم وتنظيم القاعدة. لكنها إجراءاتها بلغت الذروة في بيان للحزب الشيوعي صدر في 5/1/2002 يقضي باتهام الجماعات الإسلامية في الإقليم بترويج «أفكار انفصالية». هذه تطورت الأطروحة حتى باتت رأس الحربة في السياسة الصينية تجاه السكان الأصليين والإقليم لدرجة أن منظمات حقوق الإنسان وجماعات أخرى لاحظت أن الصين تستخدم كلمات «انفصالي» و«إرهابي» دون تمييز.

 في تعقيبه على أحداث أورومتشي، وبعد اجتماعه بالهيئة القيادية العليا للحزب، نقل التلفزيون الصيني (8/7/2009) عن الرئيس هو جين تاو توعده: (1) بإنزال: «عقوبات شديدة بالضالعين في المواجهات … طبقا لما ينص عليه القانون ». والقانون هنا (2) يعني، بحسب رئيس الحزب الشيوعي في الإقليم، وطبقا للنص المعدل حول جرائم « الإرهاب »: « سعيه لمعاقبة مثيري الشغب … بالإعدام». و (3) لأن الإقليم «شأن داخلي»، بحسب تشين قانغ، المتحدث باسم الخارجية الصينية في رده على تصريحات الرئيس التركي أردوغان، فقد (4) أكد نور بكري رئيس حكومة الإقليم أن الصين: « ستستعمل أقصى الوسائل لكبح العنف». أما هو جين تاو فقد قطع اجتماعاته بدول الثماني، و (5) بدا فزعا من عنف الأحداث لجهة انتقالها إلى مناطق أخرى غير العاصمة أورومتشي و كشغار حين أشار إلى أن: « تحقيق الاستقرار الاجتماعي في إقليم سينكيانج الغني بمصادر الطاقة هو مهمة ملحة جدا»!

د. أكرم حجازي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق