بيانات

ماذا جرى في تركستان الشرقية؟

ولم يكن أحد في العالم الإسلامي يتصور أبعاد المشكلة أو حقيقة وتاريخ إقليم تركستان الشرقية

في فترة الخمسينيات والستينيات وأيضًا وصولاً إلى السبعينيات كانت هناك أحداث كثيرة تعصف بأقليات وبأغلبيات مسلمة على مر ساحة العالم الإسلامي وخارجه، وأذكر أنه على مدى هذه العقود الثلاثة كنا نقرأ في الصحف والمجلات الإسلامية في البلدان العربية عن حوادث اضطهاد متتابعة للمسلمين تكاد تغطي كل الأمكنة تقريبًا، فمن الاضطهاد فمن الاتحاد السوفيتي وفي جمهورياته الآسيوية إلى الاضطهاد في دول الكتلة الشرقية في بلدان توجد فيها أقليات إسلامية مثل بلغاريا وأيضًا في بلاد كيوغوسلافيا وحتى اليونان، ومن اضطهاد في جنوب شرق آسيا للأقليات الإسلامية في الفلبين وتايلاند ثم من اضطهاد تمارسه الهند على مسلميها في أراضيها وفي إقليم كشمير المحتل ثم تتعمق فيه وصولاً إلى إعلان الحرب على باكستان لتمزيقها وانتزاع جزئها الشرقي ليصبح بعد ذلك بنجلاديش ثم كان يصل الاضطهاد إلى القارة الإفريقية ففي شرق أفريقيا كنا نتابع اضطهاد المسلمين في أثيوبيا الذي مازال مستمرًا وأيضًا اضطهاد الأقليات وحتى الأقليات المسلمة في مجمل بلدان غرب أفريقيا ووسطها.

وفي خضم هذه الأحداث العارمة كانت تبرز على السطح أحيانًا أنباء عن اضطهاد للمسلمين في إقليم صيني يقع بالشرق يسمى سينك يانج وهو الآن ما يسمى بـ”شينج يانج” ويسميه أهله وأصحابه من شعب اليوجور المسلم باسم تركستان الشرقية إلا أن أنباء الاضطهاد هذه كانت تمر مرور الكرام لأنه كانت هناك أحداث أخطر وأكبر منها تحدث، وبالتالي فلم يكن الإعلام الإسلامي يعرف الكثير عن ذلك الإقليم البعيد أكثر من كونه إقليمًا تابعًا للصين تسكنه أقلية مسلمة كما كان يصور الإعلام الصيني في وقتها وأن هذه الأقلية تتعرض هي الأخرى للاضطهاد شأنها في ذلك شأن العديد من الأقليات، ليس فقط في آسيا بل في أفريقيا وأوروبا أيضًا.
ولم يكن أحد في العالم الإسلامي يتصور أبعاد المشكلة أو حقيقة وتاريخ إقليم تركستان الشرقية كامتداد للقومية التركية الكبيرة والعظيمة والتي حملت الإسلام ورعته طوال قرون وصلت إلى الدولة العثمانية حتى انتهت هذه الدولة على يد المؤامرات الغربية، كما لم يكن أحد يتصور عمق ومدى الاضطهاد والتعذيب الوحشي الذي مارسته الصين على أهل هذا الإقليم الذي استمدت منه الموارد العظيمة ونهبتها، وكان هذا غريبًا لأن الصين مارست أفعالاً مماثلة ولكنها أقل حده بكثير في إقليم التبت البوذي الذي احتلته وضمته إليها رغم أنه لم يكن فيه موارد مادية بقدر ما فيه من إمكانات إستراتيجية تؤهل الصين للسيطرة على أعلى جبال الهيمالايا وتفتح أمامها إقليم شبه الجزيرة الهندية واسعًا، إلا أن الإعلام الغربي المتعاطف دومًا مع قضايا غير المسلمين وبالذات من البوذيين قد سارع إلى طرح قضية إقليم التبت وترويجها في كل مكان لاسيما بعد فرار زعيم التبت الدلاي لاما واستقراره في الهند بينما عتم هذا الإعلام الغربي القوي صاحب النفوذ على قضية المسلمين في تركستان الشرقية كما عتم على سائر قضايا المسلمين التي لم يثر منها إلا بقدر ما يخدم قضيته في ذلك الوقت في الاشتباك مع الاتحاد السوفيتي أو الكتلة الشرقية.
وازداد التعتيم الغربي على قضية تركستان الشرقية الإسلامية عندما بدا أن الصين الشيوعية قد وصلت إلى حالة صراع ربما يصل إلى صراع عسكري مع الاتحاد السوفيتي الشيوعي أيضًا وبدأ الغرب يلمح إمكانية إحداث انشقاق هائل يصل في النهاية إلى إسقاط المعسكر الشيوعي برمته، وأخذ الغرب في هذا الإطار يتودد إلى الصين فجاءت السياسة الأمريكية بالانفتاح على الصين في إطار ما عرف في ذلك الوقت في مطلع السبعينيات بسياسة أو بدبلوماسية بينج بونج وما أعقبها من أحداث.
كل هذا أدى إلى زيادة التعتيم على ممارسات الصين الوحشية ضد إقليم كامل من أكبر أقاليمها ومن أهم أقاليمها في بعض الموارد ولا سيما الموارد البترولية.
وفي نفس الوقت فإن انشغال العالم الإسلامي بالأحداث الجسام التي مر بها من ثورات وصراعات مع “إسرائيل” وتوترات داخلية وأيضًا بما يحدث للأقليات الإسلامية في بلدان أكثر قربًا للعالم الإسلامي في أفريقيا أو في وسط آسيا أدى إلى ابتعاد الاهتمام الإعلامي الإسلامي على ضآلته ومحدوديته عن إثارة قضية تركستان الشرقية إلى أن وصلنا في الأعوام الأخيرة أو ربما على مدى العقد والعقدين من الزمان إلى أن يعتبر البعض الصين صديقة للعالم الإسلامي وكان البعض الآخر قد سبق إلى اعتبارها صديقة منذ الخمسينيات والستينيات في أيام حركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي والتعاطف مع المعسكر الشيوعي أو الاشتراكي كما كان يسمى آنذاك، أما التعاطف الذي ظهر مع الصين في الفترات الأخيرة فهو تعاطف باعتبارها تمثل ثقلاً مضادًا للنفوذ الغربي وتمثل تجربة رائدة حلا للبعض أن يطرحها باعتبارها النموذج الذي يحتذى وباعتبارها أيضًا مصدر تنمية وتطور اقتصادي هائل في العالم الإسلامي بالتعاون معها في شتى المجالات بدءًا من مجالات الطاقة النووية هبوطًا إلى أصغر مجالات صناعة السلع الاستهلاكية وتجارتها.
وفي خضم ذلك كله، نسي الجميع أو تناسو أن الصين في نشأتها بلد صاحب أيديولوجية علمانية صارمة هي الأيديولوجية الشيوعية وأن هذه الأيديولوجية إذا كانت قد خفتت قليلاً في مجالات الفكر إلا أنها لم تخفت في مجالات القمع والسيطرة والإحكام وقد زاحمتها في مجال الفكر أيديولوجية أخرى لا تقل حدة وصرامة عنها وهي أيديولوجية الرأسمالية الزاحفة المتوثبة لفتح الأسواق، وفي الحالتين سواء في الحالة الشيوعية الزاعقة أو الحالة الرأسمالية الزاعقة في الميدان الإقتصادي فقد ظلت الصين كيانًا استعماريًا قام في الأساس على إخضاع العديد من الأقليات داخل الصين وظل قائمًا على أساس الرغبة في التوسع خارج الصين فيما حوله من أقاليم وبلدان، وإذا كان هذا التوسع كان عسكريًا في بدايته في كوريا الشمالية والجنوبية وأيضًا في فيتنام إلا أنه في الفترة الأخيرة أصبح ذا طابع اقتصادي بحت وصل إلى فرض نفوذه حتى إلى داخل أمريكا نفسها، وربما لهذا قصة أخرى.
أحداث سينج يانج
روع المسلمون في جميع أنحاء العالم في الأيام الأخيرة بالأحداث المأساوية التي وقعت في الإقليم الشرقي في الصين الذي تسميه تلك الدولة التي مازالت شيوعية باسم سينج يانج، بينما اسمه حسب أهله وحسب التاريخ هو تركستان الشرقية لأنه امتداد طبيعي لجمهوريات آسيا الوسطى وأيضًا امتداد طبيعي للقومية التركية المسلمة التي لا يعرف الكثيرون أنها تنتشر من أول تركيا المعاصرة إلى أواسط الصين مارة بما يسمى بجمهوريات الإتحاد السوفيتي السابقة، وقد أدت هذه الأحداث حسب ما ذكرت الصين نفسها إلى مقتل العشرات وإصابة المئات بينما ذكرت مصادر تابعة لشعب اليوجور المسلم أن القتلى وصل أعدادهم بالآلاف والجرحى ما يزيد على ذلك بكثير، والأدهى أن هذه الأحداث صاحبها عمليات تهجير قسري، وتهديدات بإعدامات علنية طالت الجميع حتى المحتجين سلميًا والذين لم يفعلوا أي شيء سوى المطالبة بالعدالة لبلادهم والقصاص العادل لعمال من اليوجور قتلوا ظلمًا في مصانع تقع في جنوب الصين، بينما لم تطل الإعتقالات والتهديدات أي من قومية الهان الرئيسية في الصين والمفروضة على إقليم تركستان الشرقية، والذين عاثوا في هذا الإقليم وفي عاصمته أمام أعين الجميع، وأمام الكاميرات والإعلام الأجنبي والعالمي وأيضًا أمام قوات الجيش والبوليس الصينية، وقتلوا المسلمين وطاردوهم وأحرقوا منازلهم دون أن يتحدث أحد بل دون أن يحتج أحد، فما هي أبعاد هذه الحادثة الأليمة؟، وما هي تطوراتها؟ بل والأهم ما هي دلالاتها؟
إن الدلالة الأبرز في ما حصل هي الكشف عن وجه الصين الحقيقي الذي يراه الآن الجميع وهم مخدوعون بعمليات غسيل المخ والدعاية على أنها دولة عظمى صاعدة وعلى أنها مصدر للصناعة والإنتاج المتقدم وعلى أنها دولة كبرى في عالم التجارة سرعان ما سوف تصبح عظمى في دنيا السياسة والجيوش، ولكن هذه الصورة البراقة للصين التي تروج لها دعايتها، وينساق ورائها الكثيرون من المخدوعين في العالم كله ولا سيما في عالمنا العربي والإسلامي هي صورة خاضعة قد انمحت لتحل محلها صورة الصين الشيوعية القديمة التي قامت على القتل والإبادة والإقصاء وفرض قومية الهان على سائر القوميات واللغات والأديان والثقافات تحت شعار الثورة الشيوعية بل إن هذه القومية وتحت شعار نفس الثورة استحلت دماء أبنائها وقتلت منهم أضعاف ربما من قتلت من أبناء القوميات الأخرى فها هي ذي الصين الوحشية التي كانت معروفة في أواخر الأربعينيات وعلى مر الخمسينيات وعلى مر الستينيات أيضُا في خضم ما أسمي بالثورة الثقافية في عهد “ماوتيتونج” وخلفاؤه تعود مرة أخرى إلى صدارة الأحداث لكي تؤكد وحشيتها ودمويتها في مواجهة حركة احتجاج سلمي في إقليم تحتله، وتحكمه بالحديد والنار، وتنهب موارده لتستخدمها في إثراء نفسها.
لقد أتت هذه الأحداث في وقت كانت فيه الصين توقع عشرات من الإتفاقيات الهائلة قيمتها الملايين إن لم يكن البلايين من الدولارات على امتداد الساحة الإسلامية في بلدان مثل العراق والسودان وما بينهما وبعض بلدان الخليج العربي وبلدان أخرى في أفريقيا كما جاءت الأحداث في وقت كانت الصين تغرق الأسواق البلدان الإسلامية ومنها مصر مثلاً ببضائع رخيصة رديئة تؤدي إلى تعطل وإيقاف الإنتاج المحلي وفرض البطالة على عشرات الألوف إن لم يكن مئات الألوف من العمال المصريين بينما لا تقدم للمستهلك المصري أكثر من بضائع رديئة غير ذات فائدة.
ومع ذلك ورغم ظهور وجه الصين الحقيقي إلا أن رد الفعل العالمي وأيضًا رد الفعل في البلدان الإسلامية جاء ضعيفًا وهزيلاً، ولم يحتج أحد بل على العكس فعندما وقعت مؤخرًا أحداث دامية في بلد إسلامي قريب فطار الإعلام العربي وهاج وماج ودافع عن المعترضين والمحتجين رغم أنه لم يسقط بينهم أكثر من عشرين قتيلاً وبضع مئات من المعتقلين، أما في الصين وقد سقط فيها الآلاف من القتلى المسلمين حسب تصريح زعيمتهم في الخارج وسقط منهم الكثير من المعتقلين، وبدا أن هناك عملية تطهير عرقي جارف ضد هؤلاء المسلمين فلم يتحدث أحد ولم يصدر أكثر من بيان هزيل من منظمة المؤتمر الإسلامي بينما تحركت تركيا على قدر ما تستطيع على لسان رئيس وزرائها وبحكم العلاقة القومية التي تربطها بمسلمي تركستان إلا أن هذا التحرك ظل محدودًا وقد رفضته الصين في غلظة ومجافاة لأبسط الأعراف الديبلوماسية تكشف عن حقيقة ما يكمن وراء هذه الصورة البراقة التي روجت لها الصين في السنوات الأخيرة والتي وصلت إلى ذروتها في ألعاب بيكين الأوليمبية منذ عامين أو ثلاثة ماضية.
إن البعض الآن في العالم العربي والإسلامي كان يراهن بصراحة، وبصوت مرتفع على الصين باعتبارها الدولة العظمى الناشئة التي يجب على المسلمين أن يتحالفوا معها تفاديًا لأي تحالف مع أمريكا التي أذاقت العرب والمسلمين الأمرين أو مع أوروبا العنصرية المسيحية أو حتى مع روسيا التي تستعيد الآن ذكرياتها الصليبية في مواجهة مسلمي القارة الأسيوية والأجزاء الوسطى منها على وجه الخصوص، ولكن الصين التي علق البعض عليها آمالهم ها هي قد كشفت عن وجهها الحقيقي باعتبارها قوة وحشية دموية مستعمرة عنصرية طاغية لا تقيم لأي أحد وزنًا وهي لا تقيم حتى وزنًا لعلاقاتها التجارية الواسعة والرهيبة مع البلدان العربية والإسلامية وإنما تمضي إلى ضرب المسلمين فيها بلا هواده وضربًا ليس ردًا على أي ثورة قاموا بها بل على مجرد احتجاجات سلمية بسيطة وتكاد تستأصلهم من الوجود ردًا على هذا التحرك السلمي دون أن تقيم أي وزن لكل هذه الشبكة من العلاقات والمصالح التي تربطها بالعالم الإسلامي بل ولا تقيم وزنًا لمن يتطلعون الآن إليها في هذا العالم الإسلامي باعتبارها قوة كبرى يجب التحالف معها أو على الأقل توثيق العلاقات معها في وجه قوى أخرى.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق